الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد قالوا جانبه بمعنى سار إلى جنبه ومنه الصاحب بالجنب لرفيق السفر والأصل فيه انه يركب بجانب رفيقه في الشقدف على البعير فيكون إشارة إلى المضاجعة التي هي أعم أسباب الجنابة ، وعندي أن الجار الجنب هو من كان بيته بجانب بيتك وفاتني ذكرها في موضعه إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال الاحال كونكم عابري سبيل أي مجتازي طريق ، وقيل إن « الا » هنا صفة بمعنى غير ولم يلتفت صاحب هذا القول إلى ما اشترطه ابن الحاجب لذلك من تعذر الاستثناء . ومن قال إن المراد بالصلاة هنا حقيقتها فسر عابر السبيل هنا بالمسافر ومن قال إن المراد بالصلاة مواضعها أي المساجد فسره بالمجتاز لحاجة قاله الأستاذ وغيره وقد استدل الشافعية بالآية على جواز مرور الجنب في المسجد إذا كانت له حاجة وعلى تحريم المكث فيه عليه . وقد علمت أن الشافعي يجيز أن يراد بالصلاة هنا حقيقتها ومكانها معا وحينئذ يجعل استثنا لعبور باعتبار المكان واني لأستبعد التعبير عن السفر بعبور السبيل والسفر مذكور في الآية وفي غيرها من الآيات بلفظ السفر فالمتعين عندي في العبور ما قاله الشافعية وغيرهم من مفسري السلف وهو بالمرور بالمسجد لأنه من قرب الصلاة سواء أريد بها المكان وحده أم المكان والحقيقة والمجاز معا أم الحقيقة وحدها لأن المكث في المسجد من مقدمات الصلاة فالمنع منه يدخل في النهي عن قرب الصلاة . ويؤيد هذا ما هو معروف من كون بعض جيران المسجد النبوي كان لبيوتهم أبواب ومنافذ من المسجد فكانوا يعبرون منه إلى بيوتهم وكان كثير من فقراء الصحابة يقيمون في المسجد فلما نزلت الآية فهموا منها ولا بد ان إقامة الجنب في المسجد تعد من قرب الصلاة فلو لم يستثن عابري السبيل لكان على أولئك الجيران حرج في إلزامهم أن لا يخرجوا من بيوتهم قبل الاغتسال إذا كانوا جنبا . ولم يأمر النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بسد تلك الأبواب والكوى الا في آخر عمره الشريف وقد استثنى خوخة ابن أبي قجافة ( أبي بكر - رض ) والخوخة الكوة والباب الصغير مطلقا أو ما كان في الباب الكبير . بل ورد ان من أقام في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة